أحمد بن محمد المقري التلمساني

78

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

بازيا لصيده « 1 » ، واستقلّ على أريكته ، استقلال الظليم على تريكته ، حاسر الهامة ، متنفقا بالشجاعة والشهامة ، مستظهرا بأول الجهالة والجهامة ، وساءت في محاولة عدوّ الدين سيرته ، ولمّا حصحص الحقّ انكشفت سريرته ، وارتابت لجبنه المستور جيرته ، وفتح « 2 » عليه طاغية الروم فمه ، فالتقمه « 3 » ، ومدّ عليه الصليب ذراعه ، فراعه ، وشدّ الكفر عليه يده ، فما عضده اللّه ولا أيّده ، وتخرّمت ثغور الإسلام بعد انتظامها ، وشكت إليه باهتضامها ، وغصت بأشلاء عباد اللّه وعظامها ، ظهور أوضامها ، ووكلت السنّة والجماعة ، وانقطعت من النّجح الطّماعة ، واشتدّت المجاعة ، وطلعت شمس دعوتنا من المغرب فقامت عليها الساعة ، وركبنا « 4 » البحر تكاد جهتاه تتقاربان تيسيرا ، ورياحه لا تعرف في غير وجهتنا مسيرا ، وكأنّ ماءه ذوب لقي إكسيرا « 5 » ، ونهضنا يتقدّمنا الرعب ويتّقد منّا الدعاء ، وتجأجىء بنا الإشارة ويخفرنا « 6 » الاستدعاء . وأقصر الطاغية عن البلاد بعد أن ترك ثغورها مهتومة « 7 » ، والإخافة عليها محتومة ، وطوابعها مفضوضة وكانت بنا مختومة ، وأخذت الخائن الصيحة فاختبل ، وظهر تهوّره الذي عليه جبل ، فجمع أوباشه السّفلة وأوشابه ، وبهرجه الذي غش به المحض وشابه ، وعمد إلى الذخيرة التي صانتها الأغلاق الحريزة ، والمعاقل العزيزة ، فملأ بها المناطق ، وخرج ليلا عن المدينة ، واقتضت آراؤه الفائلة « 8 » ، ونعامته الشائلة ، ودولة بغيه الزائلة ، أن يقصد طاغية الروم بقضّه وقضيضه ، وأوجه وحضيضه ، وطويله وعريضه ، من غير عهد اقتضى وثيقته ، ولا أمر عرف حقيقته ، إلّا ما أمل اشتراطه من تبديل الكلمة ، واستئصال الأمة المسلمة ، فلم يكن إلّا أن تحصّل في قبضته ، ودنا من مضجع ربضته ، واستشار نصحاءه في أمره ، وحكم الحيلة في جناية غدره ، وشهره ببلده ، وتولّى قتله بيده ، وألحق به جميع من أمدّه في غيّه ، وظاهره على سوء سعيه ، وبعث إلينا برءوسهم فنصبت بمسور غدرها ، وقلّدت لبة تلك البنية بشذرها ، وأصبحت عبرة للمعتبرين ، وآية للمستبصرين ، وأحقّ

--> ( 1 ) إشارة إلى قول المتنبي : ومن جعل الضرغام بازا لصيده * تصيّده الضرغام فيمن تصيّدا ( 2 ) في ب « وفطر عليه » . ( 3 ) التقمه : ابتلعه . ( 4 ) في ب « وأجزنا البحر » . ( 5 ) الإكسير : ما يلقى على الفضة وغيرها فيحولها إلى ذهب خالص ، حسب زعم الكيماويين القدامى . ( 6 ) في ب « ويحفزنا » . ( 7 ) مهتومة : مكسورة . ( 8 ) الفائلة : الضعيفة .